يتولى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إدارة منظومة الأسمدة المدعمة في خمس محافظات، في خطوة تمهد لتولي الجهاز إدارة المنظومة على مستوى الجمهورية بدءًا من أكتوبر المقبل، بما يغير طريقة تنظيم الزراعة في مصر، وفق ما قاله مسؤول في قطاع التعاونيات بوزارة الزراعة لـ«مدى مصر». وأضاف المسؤول أن التعاونيات الزراعية، التي تؤدي دورًا محوريًا في منظومة توزيع الأسمدة، «ستختفي إلى حد كبير من المشهد خلال السنوات المقبلة».


تضيف إدارة الأسمدة ملفًا جديدًا إلى مجموعة من أنشطة توريد وتوزيع السلع الاستراتيجية محليًا، التي كانت تديرها جهات حكومية مختلفة، قبل أن يستحوذ جهاز مستقبل مصر على عدد منها خلال السنوات الأخيرة.


ومنذ بداية أغسطس، يتولى مستقبل مصر مسؤولية إدارة نقل الأسمدة من المصانع إلى الجمعيات الزراعية في القرى بمحافظات الدقهلية والشرقية والبحيرة وبورسعيد والإسماعيلية. كما أسندت إليه المسؤولية الكاملة عن توزيع حصص الأسمدة المخصصة للمحاصيل، ومراجعتها مقابل سجلات الحصر الزراعي، بحسب المسؤول.


وقال المسؤول، إن «البدء بخمس محافظات يمثل تجربة ستتوسع لتشمل باقي المحافظات اعتبارًا من أكتوبر»، موضحًا أن ذلك «يعني اختفاء التعاونيات إلى حد كبير من المشهد الزراعي خلال السنوات المقبلة».

 

وأوضح أن الدور الرئيسي للتعاونيات كان يتمثل في تنظيم ملف الأسمدة وتنسيقه، وتوصيل المنتجات بالتنسيق مع وزارة الزراعة من مصانع الأسمدة إلى الجمعيات الزراعية على مستوى القرى، التي تتعامل مباشرة مع المزارعين.


مستقبل مصر يوسع دوره في سوق الأسمدة


يوسع التحرك الجديد دور جهاز مستقبل مصر في توزيع الأسمدة. ففي يوليو، بدأ الجهاز إدارة جزء من إمدادات الأسمدة غير المدعمة بالتعاون مع التعاونيات الزراعية. وبموجب هذا الترتيب، يشتري مستقبل مصر الأسمدة من الشركات المنتجة ويوفرها للتعاونيات، التي تبيعها للمزارعين نيابة عنه بالأسعار التي يحددها الجهاز، وهي حاليًا أقل من أسعار السوق.


ويبلغ سعر شيكارة اليوريا غير المدعمة 1000 جنيه، فيما تصل شيكارة نترات الأمونيوم إلى 975 جنيهًا، مقارنة بأسعار السوق التي تتراوح بين 1400 و1600 جنيه للشيكارة.


وأقر مديرو الجمعيات الزراعية ومصادر في الوزارة، تحدثوا إلى «مدى مصر»، بانتشار الفساد داخل منظومة توزيع الأسمدة، ووصفوا تولي الجهاز إدارة المنظومة بأنه يستهدف تشديد الرقابة وإحكام السيطرة عليها. لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى أن التغيير يبقي على الهيكل الذي يسمح بحدوث هذا الفساد، ما يرجح استمراره، وإن جرى ذلك تحت إدارة جديدة.


وتتولى الجمعيات الزراعية توزيع الأسمدة المدعمة حكوميًا على المزارعين ضمن منظومة تعود إلى عقود مضت وتدعمها وزارة الزراعة.


وبموجب هذه المنظومة، تحصر الجمعيات في كل قرية الأراضي الزراعية والمحاصيل المزروعة بها، ثم تستخدم هذه البيانات لتحديد كميات الأسمدة المطلوبة، التي تُورد عبر التعاونيات التابعة لفرع وزارة الزراعة في الاتحاد التعاوني المركزي.


ويستبدل النظام الجديد الذي يديره مستقبل مصر اتحاد التعاونيات في عملية توريد الأسمدة، كما يتولى الجهاز وظيفة التوزيع التي كانت تضطلع بها الجمعيات الزراعية. بينما تستمر الجمعيات في إجراء عمليات الحصر الزراعي.


تجربة البحيرة تمهد لتعميم المنظومة في أكتوبر


أصدرت الإدارة الزراعية الرئيسية في كل محافظة من المحافظات الخمس تعليمات إلى الجمعيات الزراعية على مستوى القرى لحصر مخزون الأسمدة لديها وتسجيل سعة جميع مخازنها، بحسب مدير إحدى الجمعيات في البحيرة تحدث إلى «مدى مصر». وأوضح أن الإدارة أبلغت الجمعيات بأن مستقبل مصر سيتولى المسؤولية الكاملة عن ملف الأسمدة اعتبارًا من أكتوبر.


وقال مدير الجمعية إن التجربة بدأت في البحيرة مطلع أغسطس، حيث جرى تجميع الجمعيات حول نقاط توزيع مركزية، لتحل محل النظام السابق الذي كانت فيه لكل جمعية مخزن توزيع خاص بها. وستختار الجهات المختصة الجمعيات التي تمتلك منشآت تخزين أكبر لتعمل كمراكز للتخزين والتوزيع، فيما تخصص الأسمدة للمزارعين وفقًا لعمليات الحصر التي تجريها الجمعيات نفسها، على أن يتولى موظفون يعينهم مستقبل مصر عمليات التوزيع.


وأكد مدير إحدى الجمعيات الزراعية في الغربية الترتيب نفسه، موضحًا أن نائب مدير الإدارة الزراعية في المحافظة اتصل بهم لإبلاغهم «شفهيًا» بأن النظام سيبدأ تطبيقه في أكتوبر، دون إرسال أي مراسلات رسمية. وطلبت منهم الإدارة تقديم المستندات المتعلقة بحصص الأسمدة وعمليات الحصر، إلى جانب الإفادة بسعة التخزين المتاحة لدى الجمعية، تمهيدًا لإعدادها وتسليمها إلى مسؤولي مستقبل مصر.


وبموجب الترتيبات الجديدة، يشرف مستقبل مصر على شراء الأسمدة، ويسدد مستحقات الشركات المصنعة، ويتولى نقل الأسمدة وتحصيل المدفوعات من المزارعين، ليحل بذلك محل الجمعيات الزراعية في جزء كبير من وظائفها، بحسب مسؤول قطاع التعاونيات.


ويرى مدير جمعية البحيرة أن النظام الجديد سيخفف أعباء العمل عن موظفي الجمعيات، لكنه حذر من أن إدارة توزيع الأسمدة قد تفرض تحديات على «جنود» مستقبل مصر، الذي يديره العقيد طيار بهاء الغنام، إذا افتقر العاملون فيه إلى الخبرة الكافية بآليات عمل المنظومة.


ويتعامل العاملون في القطاع الزراعي يوميًا مع عشرات البطاقات الذكية للمزارعين، وسجلات الحصر، وبيانات الاستحقاق. ولذلك، قد يتطلب نقل هذه المهمة إلى موظفين ليست لديهم خبرة سابقة بالعمل الزراعي فترة من التدريب، بحسب المدير. لكنه أشار إلى أن تطبيق الترتيب الجديد بدأ بالفعل على الأرض، ولذلك ينبغي أن يعمل موظفو مستقبل مصر إلى جانب موظفي الجمعيات لفترة خلال الموسم الزراعي، حتى يتعلموا كيفية إجراء عمليات الحصر والتوزيع والتعامل مع المزارعين قبل توليهم المنظومة بالكامل.


أخطاء الحصر الزراعي تفتح الباب أمام تسريب الأسمدة المدعمة


قال مصدر ثانٍ في وزارة الزراعة لـ«مدى مصر» إن المشكلة الرئيسية وراء إعادة هيكلة منظومة الأسمدة المدعمة تكمن في عملية تحديد المساحات الزراعية المستحقة للحصول على الأسمدة.


وأوضح المصدر أن عدم دقة عمليات الحصر قد يخلق فجوة بين حجم الأراضي الزراعية المستحقة فعليًا وحجم المساحات المسجلة لدى التعاونيات ووزارة الزراعة. وقد يؤدي ذلك إلى توزيع كميات من الأسمدة تتجاوز احتياجات المحاصيل والمزارعين، بما يتيح لموظفي الجمعيات الاحتفاظ بفائض الأسمدة المدعمة وتسريبه إلى السوق الحرة، بحسب المصدر.


كما قد يؤدي سوء توزيع الأسمدة المدعمة أو تخصيص كميات تفوق الاحتياجات لبعض المناطق إلى حدوث اختناقات في الإمدادات بمناطق أخرى.


ويتطلب علاج المشكلة إحكام الرقابة على عمليات الحصر والتوزيع معًا، وربط الاستحقاقات بالمساحات المزروعة فعليًا وبيانات المحاصيل، بدلًا من الاعتماد الكامل على الأرقام التي تسجلها التعاونيات الزراعية، بحسب المصدر. ومن شأن ذلك الحد من فرص التلاعب أو حصول جهات غير مستحقة على كميات إضافية من الأسمدة المدعمة.


وأضاف المصدر أن إعادة تنظيم إدارة الأسمدة وتوزيعها تستهدف جزئيًا معالجة هذه الثغرات وتشديد الرقابة.


لكن بينما تعلن الجهات المعنية أن نقل ملف الأسمدة إلى مستقبل مصر يستهدف مكافحة الفساد داخل الجمعيات الزراعية، يرى مدير جمعية البحيرة أن أحد أبرز التحديات أمام الخطة يكمن في استمرار الفصل بين عملية الحصر وتوزيع الأسمدة.

 

فموظفو الجمعيات سيواصلون تسجيل بيانات الأراضي والمحاصيل، بينما يتولى موظفو مستقبل مصر التوزيع، وهو ما يبقي الباب مفتوحًا أمام الفساد، لأن جذور المشكلة، بحسب المدير، تكمن في سجلات الحصر وليس في عملية التوزيع ذاتها.


وقال المصدر الثاني في وزارة الزراعة إن الإدارة المركزية لشؤون المديريات الزراعية وجهت خطابات إلى وكلاء الوزارة في المحافظات الخمس، شددت فيها على ضرورة إجراء «حصر فعلي» لجميع المحاصيل، بما في ذلك المحاصيل المزروعة بالمخالفة.


وشددت الإدارة في خطاباتها على أن الحصر «إجراء لإثبات وتسجيل الوضع الفعلي على الأرض، ولا يرتبط بمدى استحقاق المحصول للأسمدة المدعمة من عدمه». كما حذرت من تأخير إدخال بيانات الحصر أو تسجيل أرقام لا تعكس الأوضاع الفعلية على الأرض، وفقًا للمصدر.


وبدأ مستقبل مصر نشاطه في مجال ملكية الأراضي وتنميتها، ثم توسع دوره تدريجيًا ليشمل إدارة إمدادات السلع الاستراتيجية محليًا والمستوردة، مثل الأرز والقمح. واكتسب الجهاز في وقت سابق من العام صفة قانونية كجهة تابعة للدولة، إلى جانب مجموعة من الصلاحيات والإعفاءات المقررة رسميًا من الرقابة.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/09/02/news/economy/future-of-egypt-to-take-over-subsidized-fertilizer-system/